الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
132
شرح ديوان ابن الفارض
وأن أصله بعديّ بتشديد الياء على أن ياء التثنية أدغمت في ياء المتكلم وحذفت من بينهما نون التثنية لكن خفّفت بحذف ياء واحدة من اللفظ للوزن ، وعلى كونه مفردا فالدال مكسورة ، وعلى كونه مثنى فالدال مفتوحة ، وعلى الثاني الداري بالنصب والهجر بدلان من بعدي . والمعنى : جمعتم عليّ بعدين ؛ البعد الداري ، والبعد القلبي بعد أن كنت معكم في داري هجرتي . والمراد بداري الهجرة المدينة ومكّة على سبيل التغليب ، لكن يجوز أن يكون أراد أنهما دارا هجرتيه هو بأن كان يهاجر من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى المدينة ، والحكم على الهجر بأنه بعد قد وقع في كلامهم ، بل هو عند بعضهم أشدّ وأصعب من هجر الدار . قال الأديب شرف الدين عنين الدمشقي : حبيب نأى وهو القريب المصاقب * وسخط نوى لم تنض فيه الركائب وإن حبيبا لا يرجى اقترابه * بعيد فناء والمدى متقارب وفي المعنى أقول من قصيدة : بعدت بعدا من الصّدود فلا * تقطعه يا فتى ولا عني وبعضهم يرى أن بعد الدار أصعب من بعد الأحباب وعليه قول ابن الخياط : كلني إلى عنف الصّدود فربما * كان الصدود من النّوى بي أرفقا يا عمرو أيّ خطير خطب لم يكن * خطب الفراق أشدّ منه وأوبقا وقال ابن عنين في المعنى أيضا : عبء الصدود أخفّ من عبء النّوى * لو كان لي في الحبّ أن أتخيّرا وفي البيت المجانسة بين الدّاريّ وداريّ ، وبين الهجر والهجرة ، وبين بعد وبعد ، والمصراع الأول آخره الياء الأولى في عليّ . ( ن ) : وصف البعد بالدّاريّ أي المنسوب إلى تميم الدّاري رضي اللّه عنه الذي اختطفته الجانّ في قصته المشهورة وهو بعد اختطافه من بين أهله ومعارفه من الناس بحيث لا يشعر بهم ولا بأحوالهم لغيبته عنهم الغيبة الكليّة ، يعني يا أيها الأحباب جمعتم عليّ بعدين ؛ بعد الاختطاف الذي اختطفت فيه عني وانفصلت مني ، وبعد الهجر وهو إعراضكم عنّي واشتغالكم بما ينسيكم إيّاي بالكليّة مع أن فنّكم فنّي ، والحاصل أن بعده عنهم بعد الاختطاف وبعدهم عنه بعد الاشتغال ، والأحبّة هم السبب عنده في حصول هذين البعدين . وكنّى بداري الهجرتين عن مثل الهجرتين